اولياء چلبي
31
الرحلة إلى مصر والسودان والحبشة
أما إذا قحطت مصر - حفظها الله - فإن جميع بلدان الدنيا تعجز عن إطعامها ، ففي مصر أكثر مما في الدنيا بأسرها من دواب ومخلوقات ، كما أن أهلها كذلك لا يقعون تحت حصر . ومن ظلم وعسف جندها أصبح أهلها كقوم فرعون ، ولأنهم بالغوا في إظهار اسم « يا قهار » فقد حقر أهلها وذلوا واستحوذ جند السلطان على كل خيراتها وبقي الفلاح ذليلا . وفي شأن مصر وشعبها قال « كعب الأحبار » - رضي الله عنه - مصراعا على لسان مصر هو : « خلق اللّه الغنى بمصر فقال الذل أنا معك » . والواقع أن الضعاف والفقراء والأذلاء من أهل مصر كثرة كاثرة ، حتى إنه في عام ( ) « 1 » على عهد عبد الرحمن باشا على الرغم من كثرة الغلال لسوء تصرف الحكومة احتكرها الأغنياء فقحطت مصر قحطا عظيما لدرجة أن بعض الفقراء أكلوا الميتة ، والبعض كان له قميص واحد يشترك في لبسه مع زوجته ، فكانت تلبسه نهارا ويلبسه هو ليلا . وكانوا يعيشون على عشرين حبة من الفول في اليوم . إلى هذا الحد كان الفقر وكانت كثرة الفقراء . لأنه عندما تحصل الخزائن من الرعايا والبرايا وهي إحدى وثمانون خزانة كان مئات الآلاف من الناس يفلسون ويخلو وفاضهم . وهذه الخزائن المذكورة كانت تحصل بعد خمسة وسبعين يوما من الحصاد . وباستثناء الماغر والأوز والحطب كانت ضريبة الجمرك تحصل على كل ما يطير في السماء وما يدب على الأرض وما يسبح في الماء وكل الأشياء « مقاطعة » حتى إن الفقراء المعدمين ممن هم في أمس الحاجة إلى الفلس الأحمر يؤدون الضرائب للحكومة وهم مقاطعة . - عجيبة أخرى : ومن عجب أن بعض الفلاحين كانوا يسوقون أسرابا من الأوز في شوارع القاهرة لبيعها وفي هذا الزحام كان الناس يدهمون بأقدامهم أسراب الأوز هذه فيجعلونها وكأنها رمال ، ولكن لم تكن تفرض عليها ضريبة ، وما عدا ذلك كانت تفرض عليه الضرائب والعشر السلطاني .
--> ( 1 ) بياض في الأصل .